أحكام الأضحى (5)
السادس : حكم الأضحية .
الصحيح من قولي أهل العلم أنّ الأضحيَة واجبة على الموسر، وذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، ولأمره من ذبح قبل الصلاة بأن يعيد فيذبح مكانها أخرى، ولعدم النص المانع من الوجوب .
١/ فعن عامر أبي رملةَ قال أخبرنا مِخنفُ بن سُلَيم، قال : ونحن وقوفٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات قال :
((يا أيها النَّاسُ إنَّ على كل أهل بيتٍ في كل عام أُضحيَّةً وعتيرةً، أتدرون ما العتيرَة ؟ هذه التي يقول النَّاسُ الرّجَبيّة)) .
رواه أبوداود والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وحسنه الألباني .
قال أبوداود : العتيرة منسوخة، هذا خبر منسوخ " .
وقد بوّب على الحديث في سننه رحمه الله بقوله :
بابُ ما جاء في إيجاب الأضاحي " .
ودليل نسخ العتيرة ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((لا فَرَعَ ولا عتيرة)) .
العتيرة : ذبيحة كانوا يذبحونها فى العشر الأُوَل من رجب ويسمونها الرجَبية .
الفرَع : أول نتاج الإبل والغنم .
وهاتان الذبيحتان كانوا يذبحونهما فى الجاهلية لأصنامهم، وفي صدر الإسلام تُذبح لله لكنهما مقيدتان إحداهما برجب والأخرى بأول النتاج ثم نُسخ ذلك بهذا النهي .
٢/ عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((مَن ذبحَ قبلَ الصلاة فليُعِد)) .
رواه البخاري .
الأمر بإعادة الذبح، فيه الأمر بالتضحية وأمر بإعادتها لمن ذبح قبل الصلاة !
ويتأكد بما يلي :
عن جُندَب بن سفيان رضي الله عنه، قال : شهدت الأضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى صلاته بالناس نظرَ إلى غنمٍ قد ذُبِحَتْ، فقال :
((مَن ذبح قبل الصلاة فليذبَح شاةً مكانَها، ومَن لم يذبح؛ فليذبح على اسم الله)) .
رواه البخاري ومسلم .
فالوجوب ظاهر في هذا الحديث لشدة الأمر وعموم الخطاب .
٣/ "وَقَدْ خَرَجَ وُجُوبُهَا قَوْلًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَوْ ظَاهِرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ .
ونفاةُ الْوُجُوبِ لَيْسَ مَعَهُمْ نَصٌّ فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ وَدَخَلَ الْعَشْرُ فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ))
قَالُوا : وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ .
وَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَا يُوكلُ إلَى إرَادَةِ الْعَبْدِ . فَيُقَالُ : إنْ شِئْت فَافْعَلْهُ؛ بَلْ قَدْ يُعَلَّقُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْطِ لِبَيَانِ حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، كَقَوْلِهِ : {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} وَقَدْ قَدَّرُوا فِيهِ : إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ وَقَدَّرُوا : إذَا أَرَدْت الْقِرَاءَةَ فَاسْتَعِذْ وَالطَّهَارَةُ وَاجِبَةٌ وَالْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ !
وَقَدْ قَالَ : {إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} وَمَشِيئَةُ الِاسْتِقَامَةِ وَاجِبَةٌ .
وَأَيْضًا فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ فَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ،
كَمَا قَالَ ((مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ تَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ)) وَالْحَجُّ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ .
فَقَوْلُهُ ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ)) كَقَوْلِهِ: ((مَنْ أَرَادَ الْحَجّ فَلْيَتَعَجَّلْ))
وَوُجُوبُهَا حِينَئِذٍ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُضَحِّيَ بِالشَّاةِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ - صَاحِبُ الْمَنْزِلِ - وَنِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ وَمَنْ مَعَهُمْ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَ" .
الكلام الأخير منقول عن "مجموع الفتاوى" لابن تيمية رحمه الله (٢٣/ ١٦٣) .
