الجرح والتَّعديل
العِلم المظلوم .. المُفترَى عليه ..
الحمد لله رب العالمين، وبعد:
* فالعلم الذي كان لا يتكلم فيه إلا خواص أهل العلم، وجهابذة المحدثين، والقلة القليلة من فطاحل العلماء الذين يُعَدُّون على الأصابع، أصبح باب الكلام فيه اليوم مفتوحًا لكل من هب ودب ودرج.
* العلم الذي كان لا يتكلم فيه إلا من يوصفون بأئمة الجرح والتعديل، أصبح ينتحله اليوم، ويتكلم فيه: من يوصفون بشباب الجرح والتعديل! وأطفال الجرح والتعديل ، وربما جُهال الجرح والتعديل! كما قال الشيخ البرعي حفظه الله.
* العلم الذي كان لا يتكلم فيه إلا أهل التقوى والورع والخشية، أصبح ينتحل الكلام فيه، بعض من هم أقل الناس ورعًا وخشية، ومراقبة لله!
* العلم الذين كان غربالًا لتصفية الدين والسنة من الدخيل، أصبح عند بعض المنتحلين له أداة للتشفي والانتقام، ومرتعًا لتصفية الحسابات لا للدين والسنة.
* العلم الذي كان حصنًا حصينًا وسياجًا منيعا يُحمى به الدين، وتُحرص به السنة، أصبح الدين والسنة يُؤتيان من قِبل بعض المنتحلين له، والمتكلمين فيه.
* العلم الذي كانت تُوجَّه شُهُبه الحارقة، وسهامه النافذة إلى نحور أهل البدعة والضلالة، حوَّل بعض منتحليه شُهُبُه وسهامه إلى نحور أهل السنة.
* العلم الذي كان نعمة ورحمة، صيَّره بعضهم نقمة وعذابًا.
* العلم الذي كان أداة لبناء صرح الدعوة، صيَّره بعض العابثين به، المنتحلين له معول هدم وتخريب.
* العلم الذي كانت تُحفظ به مقدرات الدعوة، ومكاسبها، وجهود العلماء، صيَّره بعضهم أداة للعبث بمقدرات الدعوة، وهدم جهود العلماء، وردمها.
* العلم الذي ضبَطه الأولون بقواعد وضوابط لا يستقيم إلا بها، ضَيَّعها بعض منتحليه اليوم، وأفرغوه منها، وجعلوا منه علمًا مطاطًا بلا قواعد تضبطه، ولا ضوابط تقيده.
* العلم الذي رسخ المتقدمون قواعده، وثبتوا دعائمه فلا تتزعزع، ولا تتغير، صار بعض منتحليه اليوم يتلاعبون بقواعده، ويعبثون بدعائمه، ويخيطونها على مقاسهم، ويُعملونها ويُفعِّلونها متى ما شاؤوا، ويُعطلونها ويبطلون مفعولها متى ما شاؤوا .
* العلم الذي من ضوابطه: الكلام في المخالف بقدر الحاجة والضرورة، وتحصيل المصلحة الشرعية، وأنه لا يجوزُ التَّجريح بشيئين إذا حصل المقصود بواحد منهما، صيَّره بعضهم سبيلًا لهتك الأعراض والتفكُّه بها، والفجور في الخصومة، والخيانة، وإفشاء الأسرار، والأمور العائلية، والشؤون الداخلية، و العلاقات الأسرية، والمسائل الأخلاقية، التي الأصل فيها السِّتر لو ثبتت، فكيف والكثير منها ربما رُجم به من غير تثبت، ولا تبيُّن، ومن غير تدقيق، ولا تمحيص، وإنما قيل وقالوا، ومن غير نصح أصلًا؟!
* العلم الذي كانت تُعرف به مراتب الناس على حقيقتها، فيُقدَّم ويُرفَع ويُزكَّى من حقُّه التقديم والرفعة والتزكية، ويُؤخَّر ويوضع من حقه التأخير والضعة، أصبح بعض منتحليه اليوم يوظفونه للرفع من عقيرة من يُطبل ويُصفق ويُزمِّر لهم، وينبطح لأحكامهم، ويُقدِّس أشخاصهم، وإبعاد طلبة العلم، وسحقهم، والإجهاز عليهم .... ، ولكن هيهات .. هيهات ..
* العلم الذي كان يُحجَّر به على أهل البدعة والضلالة، لكفِّ شرهم عن المسلمين، ووقاية أهل السنة من أمراضهم وشبهاتهم وأدوائهم، أصبح يُحجَّر به على أهل التوحيد والسنة، والعقيدة الصحيحة!
* العلم الذي كانت تُعرف به مكانة علماء السنة، وكان يُذَبُّ به عنهم، صيَّره بعضهم سبيلًا لثلبهم، وانتقاصهم، والطعن فيهم، والتهوين من شأنهم ومكانتهم.
* العلم الذي قرَّر أئمته أنه لا يُقبل ما يصدر من أهله من كلام بدافع الغضب، وشدة الحنق، وردة الفعل، أصبح بعض منتحليه اليوم يستفزون بعض أهل العلم، ويزعجون عواطفهم، ويُثيرون غضبهم، ويضيقون صدورهم، بالنميمة، والتحريش، والإحراج، وبما ينقلونه لهم من أخبار زائفة، أو مُبالغ فيها عن فلان وفلان، ليستخرجوا منهم كلامًا فيه يُقوي موقفهم البائر منه.
* العلم الذي كان سبيلًا لجمع كلمة المسلمين عمومًا، وأهل السنة خصوصًا على الحق بعد تصفيته من الشوائب، صيَّره بعضهم سبيلًا لتفريق كلمة أهل السنة، وتشتيت شملهم، وتمزيق صفهم.
* العلم الذي كان إذا تكلم أهله في الفتنة خمدت، وأُطفئت نارها، وأنهى الجدل، أصبح المتطفلون عليه، والمنتحلون لشخصية أهله اليومَ إذا تكلم الواحد منهم فتح باب الجدل والمراء، وأحدث في الساحة من الفتن، والشرور والفساد ما الله به عليم.
* العلم الذي لا يقوم إلا على الحجة الواضحة، والبرهان الساطع، والدليل القاطع، صيَّره بعضهم علمًا قائمًا على التقليد والتقديس، والعدد والمكانة، وقال الشيخ، وقال الشيوخ.
* العلم الذي إذا تعارض طرفاه، أعني الجرح مع التعديل، وذلك إذا وقع الجرح على من ثبتت عدالته، واشتهرت استقامته، وعُرِف بصحة معتقده، وسلامة منهجه، لم يُقبل فيه الجرح إلا مُفسرًا مُبينًا السبب، مع اشتراط ثبوت السبب، وكونه قادحًا حقًا في عدالة المجروح، أصبح بعض المنتحلين له اليوم يؤصل أنه لا يُسأل المُجرِّح عن أسباب الجرح، بل ويغضب على من يسأله عن أسباب جرحه لفلان أو علان، وعلى من يطالبه بالحجج والبراهين، وربما ألحقه بالمجروح، وبأهل البدع!!
* العِلم الذي كان من صميمه الكلام في المخالفين على اختلاف أصنافهم من كفار ومنافقين، وزنادقة وملحدين، ومبتدعة ضالين، صيَّره بعضهم اليومَ خاصًا بالرواة فقط، ولا يتناول المخالفين وأهل البدع! لأنه قعد قاعدة مفادها: أنه لا يُشترط ذكر أسباب الجرح، ولا مطالبة العالم إذا جرح أحدًا بأسباب جرحه له، فلما أُنكر عليه، قال: بأن ذلك خاص بالكلام في رواة الحديث دون غيرهم!
* العلم الذي لا يُحتج لأحكامه إلا بأخبار الثقات العدول، أصبح يُحتج لها بأخبار الجهال والمجاهيل والنكرات والخفافيش، وحتى المخالفين، وبمجرد الشائعات، وقيل وقالوا ..!
* العلم الذي كان إذا تعارض فيه خبر العدل الثقة، مع خبر الفاسق، وخبر النكرة المجهول، قدُم خبر العدل الثقة وطُرح خبر الفاسق، وخبر المجهول وحُكم عليهما بالنكارة، أصبح بعض العابثين به اليوم يُقدِّمون خبر الفساق بشهادة أهل بلده، وخبر السرورية، وخبر النكرة المجهول الذي يُوافق الهوى والمخطط العدواني، على خبر الثقة بل على خبر العشرات من الثقات العدول، والمشايخ الفضلاء، بل وعلى الواقع الذي ما له من دافع!
* العلم الذي كان أهله حقًا، هم من بلغ الإمامة في السنة، واتُّفق على جلالته، وانتهت إليه الرئاسة في الدين، صيَّره بعض المتطفلين عليه سُلمًا للبروز، وطريقًا مُلتويًا للظهور، كما صيَّره بعض أشباه حملة العلم: سبيلًا مختصرًا للوصول إلى الرئاسة الدينية، والزعامة الدعوية.
* العلم الذي كان الكلامُ فيه بالإجماع فرضَ كفاية في حق الجهابذة من العلماء والمحدثين، صيَّر بعضهم الكلام فيه فرض عين! وليس في حق الجهابذة من العلماء والمحدثين! ولكن في حق طلبة العلم وحتى عوام السلفيين، فمن تأخر ولم يفعل، ولم يدل بدلوه، لأسباب وأعذار و.... ولو في قضية واحدة فقط، ولو كفاه غيره ممن هم أكثر منه عددًا ووصفًا مؤنة الكلام في تلك القضية، فهو مخذل متروك مطعون فيه، مُحذَّر منه، لا مكانة له في الساحة !! وحسبنا الله ونعم الوكيل، وعند الله تجتمع الخصوم، فأين المفر؟ { كَلَّا لَا وَزَرَ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر } .
* العلم الذي كان يبين به الحق، ويُقضى به على الخلاف، صيَّره بعضهم سببا للنزاع والخلاف والفرقة، والتشويش على الحق، وتشويهه والتنفير منه، ومن أهله.
* العلم الذي كان لا يُظلم به، ولا عند أهله أحد، أصبح جلُّ الظلم والبغي والعدوان الذي يحصل في الساحة الدعوية سواء على الموافق أو المخالف: من قِبل بعض المنتحلينَ له، المتطفلينَ عليه ..
إلَّا أنَّ أحداث التاريخ الكثيرة شاهدة على أنَّ من ظُلم باسم هذا العلم –أعني باسم الجرح والتعديل-: لم تكن العاقبة إلا له، مع حسن المصير، وطيب المآل في الدنيا والآخرة، وأن على الباغي تدور الدوائر.
* قال شيخنا محمد الإمام في سياق ذكره لمحنة الإمام البخاري: «ومن محاسن الإمام البخاري وجميل تصرفه مع الذهلي، أنه لم يتكلم فيه بل صبر واحتسب، وروى له في صحيحه، فرفعه الله وأعلى ذكره.
وبعض إخواننا يظن أن من ظُلم فصبر واحتسب أنه قد أُهين وضاع، وأن الرفعة والصولة والجولة للمتكلم على أخيه بحيف وإجحاف!! وليس الأمر كما يظن هذا! بل لو سيَّر طرفه في العواقب والنهايات لرأى ما يُبهر عقله من حسن النهاية في حق المظلومين باسم الجرح والتعديل» اهـ.
[«الإبانة» -ط. 1- (ص271)].
آخره.
والحمد لله رب العالمين.
كتبه: أبو بسطام إبراهيم بويران الأخضري –كان الله له-.