مكتبة بر الوالدين

منصة علمية دعوية تعليمية تُعنى بنشر العلوم الشرعية على منهاج النبوة

recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...

فتنة إسقاط العلماء (1)

 بسم الله الرحمن الرحيم 

     فتنة إسقاط العلماء 

    وقاحة الرويبضات لا 

    تُسقط هيبة العلماء (١)


حين أرى تطاول الرويبضات على أئمةٍ من أهل

العلم أطبق أهل السنة والجماعة على معرفة

قدرهم، وشهدت لهم عقود من التعليم والتأليف

والدعوة والذب عن السنة؛ يعتريني حزن شديد.


وليس حزني لقوة حجج هؤلاء، فكم من ضجيج

لا يحمل برهانًا، ولا لصحة استدلالهم، فبين

الصياح والعلم مسافة بعيدة؛ وإنما أحزن لشيء

أخطر: أن تبلغ الجرأة على العلماء حدًّا يسقط

معه الحياء، ويضعف الخوف من الله، ويتحول

فيه الجهل من عيب يستتر به صاحبه إلى منبر

يحاكم منه الأئمة.


وما هذه الظاهرة بجديدة في تاريخ الانحراف:

فقد وقف ذو الخويصرة بين يدي رسول الله ﷺ،

سيد ولد آدم وأعدل الخلق، فقال في وقاحة

مذهلة: «اعدل»! فقال النبي ﷺ: «ويلك، ومن

يعدل إذا لم أعدل؟» متفق عليه.


تأملوا أصل الداء: لم يكن الرجل أعلم من رسول

الله ﷺ، ولم تكن معه حجة أقوى؛ ولكنه امتلك

جرأة الجاهل حين يجهل قدر نفسه وقدر من

يتكلم فيه.


ثم امتد هذا المسلك في الحرورية، فاستطالوا

على أصحاب محمد ﷺ، وكفّروا خيار الأمة،

واستحل فريق منهم الدماء، حتى صار الجهل

إذا اقترن بالغلو مصنعًا للفتنة.


ولذلك ؛فلا ينبغي للسلفي الواعي أن يندهش

إذا رأى اليوم الحدادية أو المتعصبين الحزبيين

من السرورية القطبية يرمون العلماء بالتهم،

ويختزلون عشرات السنين من العلم والجهاد

في السنة في مقطع مبتور، أو زلة محتملة، أو

عبارة انتُزعت من سياقها.


إذا استنسر البُغاث في أرض فلا تظن أن النسور

قد ماتت.


أصبح السفح مهباً للقشور 

فاغضبي يا ذرا الجبال وثوري


إن للنور صيحة فأرسليها 

في سماع الدنى زفير سعير


المشكلة ليست في أن يُناقَش العالم؛ فالعصمة

لرسول الله ﷺ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد

إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم. وليست

السنة أن نصنع من العلماء أصنامًا علمية لا تُناقش. بل العلماء أنفسهم علّمونا اتباع الدليل.


لكن ثمة فرقًا هائلًا بين الرد العلمي وفتنة

إسقاط العلماء؛ بين بيان الخطأ بالدليل، وبين

التشهير بصاحبه؛ بين قولك: أخطأ العالم في

هذه المسألة، وبين تحويل خطئه إلى معول

لهدم منزلته وعلمه وسابقته.


إن الأمة التي تهدم مرجعياتها العلمية بأيدي

أبنائها تفتح أبوابها للفوضى.


وقد علّمنا الله الأدب قبل الخصومة فقال: ﴿يَا

أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.


وعلّمنا النبي ﷺ خطورة الكلام بغير زمام، فقال:

«إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي

لها بالًا يهوي بها في جهنم» رواه البخاري.


ولهذا؛ فإن المعركة القادمة لا ينبغي أن تكون

معركة سباب، ولا ثأرًا للأشخاص، ولا حرب

منشورات ومقاطع؛ بل نريدها ثورة علمية

هادئة في أدواتها، قوية في حجتها، سلفية في

أخلاقها، صارمة في ميزانها.


ثورة تعيد للدليل سلطانه، وللعلماء قدرهم،

ولطالب العلم أدبه، وللجرح والتعديل ضوابطه،

وللخلاف فقهه.


نريد جيلًا يعرف أن توقير العلماء لا يعني

عصمتهم، وأن الرد عليهم لا يعني إسقاطهم،

وأن الخطأ لا يمحو الفضائل، وأن الرجل قد

يخطئ ويبقى إمامًا من أئمة السنة.


ونريد أن نسأل كل متصدر للطعن:

من شيوخك؟ 

وماذا قرأت؟ 

وماذا حققت؟ 

وما أصولك في النقد؟ 

وهل جمعت كلام العالم كله قبل أن تحاكمه

بكلمة؟


لقد آن الأوان أن ينتهي زمن المحاكمات

الإلكترونية التي ينصب فيها الأصاغر أنفسهم

قضاة على الكبار.


وآن أن يعلم المتطاول المتشبع بما لم يعط

أن أعراض العلماء ليست ميدانًا مباحًا، وأن

التاريخ لا يحفظ صراخ الأقزام طويلًا، لكنه

يحفظ العلم النافع.


فيا طالب السنة:

لا تجعل غيرتك على السنة ذريعة لمخالفة

أخلاق السنة.


دافع عن الحق بالدليل، وعن العلماء بالعدل،

ورد الخطأ بعلم، ولا تتعصب لأحد.


ولنرفع في وجه هذه الفتنة راية واحدة:

الدليل فوق الرجال، والعدل مع الرجال، والأدب

مع العلماء، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.


ومن هنا تبدأ الثورة العلمية الحقيقية:

ليس بإسكات المخالف، بل بكشف جهله.

ولا بتقديس العلماء، بل بإنصافهم.

ولا بالصراخ في وجه الفتنة، بل بإعادة العلم

إلى مكانه الذي أزاحه عنه ضجيج الرويبضة.

(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا

يعلمون). 


راجي عفو ربه 

سليم بن عيد الهلالي 

تلميذ الإمام الألباني 

دار السلام -تنزانيا

 25 صفر 1448 هـ

8 أغسطس 2026 م

#أنشر_تؤجر

عن الكاتب

عبد المالك عبان

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

جميع الحقوق محفوظة

مكتبة بر الوالدين