مكتبة بر الوالدين

منصة علمية دعوية تعليمية تُعنى بنشر العلوم الشرعية على منهاج النبوة

recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...

فتنة إسقاط العلماء

 بسم الله الرحمن الرحيم 

فتنة إسقاط العلماء (2)


من يقف وراء فتنة إسقاط العلماء؟ 

وكيف تُدار المعركة؟


ليست فتنة إسقاط العلماء مجرد كلمات

طائشة يكتبها مجهول في منصة، ولا مقطعًا

غاضبًا ينشره متعالم، ولا خلافًا عابرًا بين طلاب

العلم؛ بل هي ظاهرة إذا استحكمت أفسدت

ميزان التلقي، وقطعت الصلة بين الأجيال

ومرجعياتها العلمية، ودفعت بالأصاغر إلى

مقاعد الأكابر.


لكن السؤال الأهم: من يقف وراء هذه الفتنة؟

وكيف تُدار معركة إسقاط العلماء؟


والجواب يحتاج إلى عدل؛ فلا يجوز أن نختلق

مؤامرة لا دليل عليها، ولا أن نجمع المختلفين

في تنظيم واحد. ولكن يمكن أن تتلاقى مشاريع

متباينة عند هدف واحد، وتلتقي أهواء متفرقة

عند نتيجة واحدة: إضعاف العلماء وإسقاط

هيبتهم من نفوس الناس.


أولًا: الغلاة الذين ضاقت صدورهم بمنهج

العلماء:


في مقدمة من يغذي هذه الفتنة طوائف من

الغلاة الذين لا يحتملون سعة منهج أهل السنة

في وزن الرجال والمقالات.


يريد أحدهم من العالم أن يوافقه في كل جزئية،

وأن يتبنى تصنيفاته وخصوماته، فإن خالفه في

رجل أو جماعة أو نازلة، بدأ الانتقال الخطير:


أخطأ العالم، ثم: تساهل، ثم: تغيّر، ثم: يدافع

عن أهل البدع، ثم: لا يؤخذ عنه!


وهكذا تتحول مسألة واحدة إلى محاكمة لتاريخ

عالم كامل.


وهذا ليس من عدل أهل السنة؛ فقد عرف

أئمتهم مقادير الرجال، وجمعوا بين بيان الخطأ

وحفظ السابقة والفضل.


ثانيًا: الحزبيون الذين يزعجهم استقلال العلماء:


وثمة لون آخر لا يقل خطرًا: أصحاب المشاريع

الحزبية والفكرية الذين يريدون العالم تابعًا

لمواقف جماعتهم.


فإن أبى العالم أن يجعل النصوص تابعة للحزب،

أو رفض تهييج الشباب، أو حذّر من مسالك

الغلو والثورات والفوضى، تحول عند بعضهم

من «عالم» إلى «عالم سلطة»، ومن إمام

يرجع إليه إلى رجل ينبغي تجاوز كلامه.


فالعالم المستقل ثقيل على كل صاحب هوى؛

لأنه لا يمنحه صكًا شرعيًا عند الطلب.


ثالثًا: صناعة «الزلة الكبرى»:


ومن أخطر أدوات الإسقاط البحث في آلاف

الساعات من دروس العالم ومؤلفاته وفتاواه

حتى يعثروا على عبارة محتملة أو خطأ أو اجتهاد

مخالف، ثم تُقتطع تلك الثواني من سياقها،

ويُبنى عليها ملف كامل.


لا يسألون: ماذا قال قبلها؟ وماذا قال بعدها؟

وهل له كلام يفسرها؟ وهل رجع عنها؟

وهل هي زلة أم أصل مستقر؟


لأن الغاية عند صاحب الهوى ليست فهم

العالم، بل إدانته.


والعدل الذي أمر الله به يناقض ذلك كله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ

بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا

اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].


فإذا وجب العدل مع من نبغض، فكيف بعالم

من علماء السنة له عقود في تعليم التوحيد

ونشر الحديث ومحاربة البدع؟!


رابعًا: تحويل الخلاف إلى امتحان للولاء:


تبدأ المعركة بسؤال يبدو علميًا:ما رأيك في

الشيخ فلان؟


ثم لا يكون المقصود معرفة الحق، بل اختبارك.


فإن وافقتهم فأنت «صاحب سنة»، وإن

تحفظت صرت «مميعًا»، وإن دافعت عن

المظلوم أُلحق اسمك به.


وهنا تتحول السلفية من اتباع للكتاب والسنة

بفهم السلف إلى سلسلة من امتحانات

الأشخاص.


وهذه بداية خطيرة؛ لأن الولاء للحق يصبح

شيئًا فشيئًا ولاءً لمواقف حركة صغيرة من

الرجال.


خامسًا: مواقع التواصل ومضاعفة صوت

الأصاغر:


قديمًا كان المتعالم يحتاج أن يجلس في

مجالس العلم حتى يُعرف قدره.


أما اليوم فيستطيع مجهول أن يفتح حسابًا،

ويضع لنفسه لقبًا، ويقتطع كلام عالم قضى

خمسين سنة في العلم، ثم يقول:

«الرد الساحق على فلان»!


ويشاهده مائة ألف.


وهنا وقعت إحدى أخطر التحولات: لم يعد

انتشار الكلام دليلًا على وزن قائله.


قد يجتمع للعالم الراسخ من العلم ما لا

يجتمع لمئات المتصدرين، ثم يكون مقطع

جاهل أكثر تداولًا من درس ذلك العالم.


فلا ينبغي أن نخدع بالأرقام؛ فإن الحق لا يُقاس

بالمشاهدات.


سادسًا: كيف تبدأ عملية الإسقاط؟


غالبًا لا يقولون للشباب: أسقطوا العالم.


بل تبدأ العملية تدريجيًا:

التشكيك في موقف، ثم تضخيم خطأ، ثم جمع

الزلات، ثم إساءة تفسير المجمل، ثم تجاهل

المحاسن، ثم الطعن في المنهج، ثم التحذير

من العالم، ثم التحذير ممن يدافع عنه.


وبذلك تتسع دائرة النار حتى يصبح المخالف

في جزئية خصمًا للمنهج كله.


وهنا تكمن خطورة الفتنة؛ لأنها ترتدي أحيانًا

لباس الغيرة على السنة.


فمن المستفيد؟


يستفيد كل مشروع يريد شبابًا بلا مرجعية

علمية راسخة.


فإذا سقط العلماء، فمن يتصدر؟


المؤثر.


والخطيب المتحمس.


وصاحب الحساب المجهول.


والحزبي العميل.


والمتعالم الذي لم تثن ركبه في مجالس العلم.


وهنا نفهم لماذا كانت منزلة العلماء عظيمة؛

قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا

تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].


وكيف نواجه المعركة؟


لا يكون الرد بتقديس العلماء، فكل عالم يخطئ،

ولا بتحويل الدفاع عنهم إلى تعصب مقابل.


إنما نواجهها بالعلم والعدل والتثبت.


نقول للمخطئ: أخطأت.


وللمفتري: كذبت.


وللمتعالم: قف عند حدك.


وللعالم: نحفظ قدرك ولا نعصمك.


ولطالب العلم: لا تسلّم عقلك لحساب مجهول،

ولا تجعل المقاطع القصيرة ميزانًا للرجال، ولا

تدخل في أعراض العلماء قبل أن تعرف الحجة

والسياق وأصول النقد.


إننا لا ندافع عن أسماء مجردة، وإنما ندافع عن

منهج كامل في التعامل مع حملة العلم.


فإذا هُدمت المرجعيات الراسخة لم ينتصر

المنهج؛ بل انتصرت الفوضى.


وإذا أصبح كل صغير قادرًا على إسقاط كل كبير،

فلن يبقى عالم سالمًا؛ لأن من حمل معول

الإسقاط اليوم على خصمك سيحمله غدًا عليك.


فتنة إسقاط العلماء لا تنتهي بإسقاط عالم؛ بل

تبدأ به.


ولهذا؛ فإن معركتنا ليست مع شخص بعينه،

وإنما مع فتنة تريد أن تجعل الجهل قاضيًا على

العلم، والصخب حاكمًا على الدليل، والأصاغر

أوصياء على الأكابر.


وسنقولها بلا غلو ولا تردد:


العلماء ليسوا معصومين، ولكن أعراضهم

ليست مباحة.

والخطأ يُرد، ولكن الفضل لا يُجحد.

والرجال يُوزنون بالعدل، لا بالأهواء.


وهذه هي المعركة التي ينبغي أن نخوضها:

إعادة ميزان العلم والعدل إلى الساحة قبل أن

تلتهم فتنة الإسقاط الجميع. 


سليم بن عيد الهلالي

تلميذ الإمام الألباني 

١٤٤٨/٢/٢٥هلالية

٢٠٢٦/٨/١٠شمسية

الاثنين

عن الكاتب

عبد المالك عبان

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

جميع الحقوق محفوظة

مكتبة بر الوالدين